ثورة «كلوب» في ألمانيا.. من «استعادة العلم» إلى إعادة بناء المنتخب

كلوب
كلوب

لم تكن بداية يورغن كلوب مع المنتخب الألماني عادية. فمنذ الإعلان عن توليه قيادة «المانشافت» في يوليو، اختار المدرب الألماني أن يضع بصمته سريعًا. ليس فقط على أرض الملعب، وإنما في علاقة المنتخب بالبلاد وجمهورها أيضًا.

كلوب يطلب فرصة عادلة

في مؤتمره الصحفي الأول، طالب كلوب وسائل الإعلام بمنحه فرصة عادلة. داعيًا إلى تجنب استهداف عائلته.

وبعد أسابيع، انتقل حديثه إلى مساحة أكثر اتساعًا، عندما دعا إلى ما وصفه بـ«الوطنية الإيجابية» في ظل حالة الاستقطاب السياسي التي تشهدها ألمانيا.

وعندما سئل عما إذا كان يرى نفسه سفيرًا لألمانيا في منصبه الجديد، جاءت إجابته واضحة: يريد أن تستعيد كرة القدم العلم الألماني بوصفه رمزًا جامعًا، لا مصدرًا للشك أو الحرج.

وقال كلوب: «أريد أن أستعيد العلم لنفسي ولنا جميعًا. عندما يلوح به أحد، لا أريد أن يفكر الآخرون: ما خطبك؟. أريدهم أن يروا شخصًا سعيدًا ومدركًا لقيمة أن يولد أو ينشأ أو ينتقل إلى هذا البلد».

حزب البديل من أجل ألمانيا

وجاءت تصريحات كلوب في سياق سياسي واجتماعي شديد الحساسية، بالتزامن مع صعود حزب «البديل من أجل ألمانيا» في عدد من الولايات.

لكن مدرب المنتخب حرص على تقديم الرياضة باعتبارها مساحة يمكن من خلالها إعادة بناء الشعور بالانتماء المشترك.

يورجن كلوب مدرب ليفربول
يورجن كلوب مع ليفربول

في الوقت نفسه أشار إلى نجاحات رياضية ألمانية حديثة، من إنجازات ألكسندر زفيريف إلى منتخب كرة السلة للسيدات.

بالإضافة إلى نجاحات الرياضيين الألمان في ألعاب القوى، مؤكدًا أن الرياضة قادرة على خلق «شعور بالمجتمع».

كما قال: «هذه مهمتنا. نحتاج إلى خلق أجواء جيدة».

كلوب محلل سياسي

لكن الاتحاد الألماني لكرة القدم لم يتعاقد مع كلوب ليكون محللًا للشأن الألماني، وإنما لإعادة بناء منتخب فقد الكثير من بريقه في السنوات الأخيرة.

ومنذ توليه المهمة، تحرك المدرب البالغ 59 عامًا بكثافة. شاهد مباريات في مختلف ملاعب الدوري الألماني، وزار الأندية ومراكز التدريب، والتقى باللاعبين،.

فيما كأنه يريد أن يتعرف بنفسه إلى كل قطعة يمكن أن تدخل في مشروعه الجديد.

في حين كانت الخطوة الأولى لافتة؛ إذ وضع قائمة موسعة تضم 57 لاعبًا يمكن أن يدخلوا حساباته. مؤكدًا أن بعضهم سيحصل على فرص لم يكن يتوقعها.

وقد انعكس ذلك بوضوح على اختياراته الأولى. فبدلًا من الاعتماد على تشكيلة ثابتة.  قرر كلوب تجربة مجموعتين مختلفتين إلى حد كبير خلال المباريات الأربع المقبلة، في محاولة لاكتشاف أكبر عدد ممكن من الخيارات.

مباراة ألمانيا وهولندا

بينما يواجه الفريق الأول هولندا ثم اليونان، ويضم أسماء بارزة مثل جوشوا كيميتش وكاي هافرتز وجمال موسيالا.

بينما يخوض الفريق الثاني مواجهتي صربيا واليونان، ويضم لاعبين مثل فلوريان فيرتز وألكسندر بافلوفيتش. وكان فين داهمن الحارس الوحيد الموجود في القائمتين.

قد يبدو الأمر فوضويًا، لكن كلوب يرى في هذه الفوضى مساحة ضرورية للتجربة.

لن نشاهد، على الأرجح، التشكيلة المثالية لألمانيا خلال هذه الفترة. الهدف أكثر وضوحًا: اختبار لاعبين جدد، وبعضهم كان قبل أشهر قليلة فقط بعيدًا عن حسابات المنتخب الأول.

خذ مثلًا فيليكس كايدل، لاعب خط الوسط والظهير البالغ 23 عامًا، والذي جاء من إلفرسبرغ الصاعد حديثًا إلى الدوري الألماني. قبل عام واحد فقط، كان استدعاؤه إلى المنتخب يبدو بعيدًا للغاية، أما الآن فأمامه فرصة لإثبات نفسه.

والأمر نفسه ينطبق على عدد من الوجوه الجديدة التي وجد كلوب أنها تستحق الاختبار.

فلسفة يورجن كلوب في التدريب

هذه الفلسفة ليست غريبة على المدرب الألماني. فخلال مسيرته، لم يكن نجاحه قائمًا على أسماء النجوم وحدها، بل كثيرًا ما اعتمد على لاعبين لم يكونوا يحظون بالاهتمام الكافي، قبل أن يرفع مستواهم ويجعلهم عناصر مؤثرة.

لقد فعل ذلك مع لوكاس بيشتشيك في دورتموند، وساهم في تطوير أندي روبرتسون في ليفربول، وغيرهما من اللاعبين الذين أصبحوا لاحقًا أسماء بارزة على المستوى الأوروبي.

فلسفة كلوب تقوم على تطوير المجموعة، وليس فقط استغلال قدرات أكثر اللاعبين موهبة.

اللياقة البدنية، الجاهزية الذهنية، والقدرة على تنفيذ الضغط الجماعي ستكون عناصر أساسية في مشروعه.

لكن ذلك يتطلب أيضًا تغييرًا في عادات بعض لاعبي الدوري الألماني، حيث تنتشر الرقابة الفردية، بينما يفضل كلوب الضغط على حامل الكرة وبناء التفوق العددي حولها.

ويقول كلوب: «ليس المهم من يلعب، بل كيف يلعب. أتوقع الكثير منذ البداية. قد تكون المباراة حماسية بعض الشيء، لكنني أتقبل ذلك. المهم أن تكون مليئة بالحيوية».

علاوة على أن  اختياراته تكشف أيضًا عن توجه واضح نحو الشباب. فقد شهدت السنوات الأخيرة اعتزال عدد من الأسماء الدولية، فيما تبدو فرص بعض اللاعبين الأكبر سنًا محدودة مع بداية المرحلة الجديدة.

ويبلغ متوسط أعمار مجموعتي ألمانيا في هذه الفترة الدولية نحو 24 إلى 25 عامًا. ذلك في إشارة واضحة إلى رغبة كلوب في ضخ الدماء الجديدة.

تكتيكيًا، يبدو أن كلوب يريد تبسيط طريقة لعب ألمانيا مقارنة بالسنوات الماضية. إلى جانب أنه لجأ جوليان ناجلسمان إلى أنظمة تكتيكية معقدة في محاولة لمعالجة نقاط ضعف الفريق، يميل كلوب إلى الوضوح والسرعة والضغط واستغلال الأطراف.

وهي فلسفة سبق أن حققت نجاحًا كبيرًا مع ليفربول، حيث شكلت الأجنحة والأظهرة جزءًا أساسيًا من القوة الهجومية للفريق. بوجود لاعبين مثل محمد صلاح وساديو ماني وترينت ألكسندر أرنولد.

كيف تلعب ألمانيا مع كلوب؟

وتملك ألمانيا بالفعل مجموعة من المواهب القادرة على تنفيذ هذه الأفكار. هناك سعيد المالا، ولينارت كارل، إلى جانب لاعبين يتمتعون بالسرعة مثل ديري شيرانت وكريم أديمي وكيفن شاده.

ورغم النتائج المتواضعة في البطولات الدولية الأخيرة، لا تزال ألمانيا تمتلك قاعدة واسعة من المواهب. وما يريده كلوب هو تحويل هذه المواهب إلى فريق أكثر حيوية، وأقل تعقيدًا، وأكثر قدرة على فرض أسلوبه.

فمنذ البداية، بدا الجانب العاطفي جزءًا أساسيًا من مهمته. المدرب يريد أن يمنح المنتخب الألماني بداية جديدة، وأن يعيد بناء علاقة الجمهور بالفريق في وقت تحتاج فيه البلاد إلى مساحات مشتركة تجمعها.

وفي أحد مؤتمراته الصحفية، ارتدى كلوب قبعة تحمل عبارة: «واحد من 83 مليونًا».

كانت الرسالة واضحة: المنتخب ليس مجرد فريق يضم 11 لاعبًا، وإنما مشروع يريد كلوب من خلاله إعادة ربط الملايين بالمنتخب، داخل الملعب وخارجه.

حتى الآن، أمضى كلوب وقتًا طويلًا في صياغة قصة المنتخب خارج الملعب. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن.

فالخطابات عن الانتماء لا تسجل الأهداف، والتجارب لا تتحول تلقائيًا إلى انتصارات. ما سيحدد نجاح تجربة كلوب هو قدرته على تحويل هذه الطاقة الجديدة، وهذه المجموعة الشابة، وهذه الأفكار الهجومية، إلى منتخب ألماني قادر على المنافسة من جديد.

وهنا تبدأ المهمة الأصعب: أن تتحول «ألمانيا الجديدة» التي يتحدث عنها كلوب إلى فريق جديد فعلًا داخل الملعب.

المصدر: bbc

الرابط المختصر :