من دكة الإعارات إلى القمة.. «هاري كين» يكتب الفصل الأخير في أسطورة التحدي

لم تكن مسيرة هاري كين ممهدة بالورود؛ بل كانت رحلة مليئة بالشكوك والتحديات. لكنها أفضت في النهاية إلى المشهد الأبرز في عالم الساحرة المستديرة: التتويج بلقب أفضل لاعب في العالم.

مسيرة هاري كين.. كيف بدأت؟

إن اعتلاء المهاجم صاحب الـ 33 عامًا مسرح “لندن بالاديوم” وفوزه بالجائزة، يعد تكريمًا مستحقًا لمسيرة كروية استثنائية.

حيث تساقطت أمامها الأرقام القياسية سراعًا، سواء مع منتخب “الأسود الثلاثة” أو برفقة ناديه السابق توتنهام هوتسبير. ووصولًا إلى محطته الحالية مع بايرن ميونخ.

فيما يذكر أن كين هو الهداف التاريخي لمنتخب إنجلترا برصيد 91 هدفًا خلال 125 مباراة دولية ليتساوى في عدد المشاركات مع الحارس التاريخي بيتر شيلتون.

فضلاً عن كونه الهداف التاريخي لتوتنهام بـ 280 هدفًا في 435 مباراة.

فيما توج هذه الأرقام بموسم استثنائي (2025-2026) سجل خلاله 73 هدفًا في 65 مباراة مع النادي والمنتخب.

هاري كين في نسخته الحديثة

المهاجم المتكامل الذي تفوق على أسماء بحجم كيليان مبابي نجم ريال مدريد، والفتى الذهبي لبرشلونة لامين يامال، ليحصد أعلى شرف فردي في عالم اللعبة.

في الوقت نفسه يوصف كين في الوسط الرياضي بأنه “نجم مناهض” (Anti-star)؛ نظير تواضعه الملحوظ وابتعاده عن مظاهر البهرجة.

وقد لخص مهاجم بايرن ميونخ فلسفته في الحياة عبر منشور اقتضب فيه كل إنجازه قائلاً:

“اعمل بجد في صمت، ودع النجاح يتكفل بالضجيج”.

مع ذلك، لم يكن وصوله للقمة سهلاً. ففي بداياته، طاف كين بين أندية الدرجات الأدنى على سبيل الإعارة، مرورًا بـ “ليتون أورينت”.

بالإضافة إلى “ميلوول”، و”نورويتش سيتي”، و”ليستر سيتي”، قبل أن ينضج ويتحول إلى الأسطورة التي نعرفها اليوم.

إلى جانب  الأرشيف يروي أنه في مايو 2013، كان كين يجلس على مقاعد البدلاء في ليستر سيتي. إلى جوار زميله المستقبلي في المنتخب جيمي فاردي، يشاهدان دراما خروج فريقهما أمام واتفورد في ملحق الصعود الممتاز.

كانت تلك الفترات مليئة بالقسوة والاختبارات الشديدة لفتى يافع خارج أسوار ناديه الأمل (توتنهام).

ففي سن السابعة عشرة انضم إلى ليتون أورينت وسجل 5 أهداف. ثم انتقل إلى ميلوول في بيئة جماهيرية شرسة خشي منها مسؤولو توتنهام، لكنه أثبت صلابته وسجل 9 أهداف في 24 مباراة.

علق تيم شيروود، المدرب السابق لتوتنهام، على تلك المرحلة قائلاً:

“كان الجو في ملعب ميلوول مرعباً. أتذكر أن أحد كشافي الفريق طالب بنقله فوراً خوفًا عليه، لكني تدخلت وقلت: هذا بالتحديد هو الجو المثالي لتأهيله صلبًا”.

بعدها خاض كين فترة صعبة مع نورويتش سيتي تعرض فيها لإصابة بالغة في القدم ولم يسجل.

المحطة الأكثر قسوة

لكن مدربه آنذاك كريس هيوتون يذكر إصراره القاتل: “كان يملك رغبة جامحة في النجاح، ويبقى بعد نهاية التدريب لنصف ساعة يوميًا ليُسدّد على المرمى بكلتا قدميه”.

اعترف كين لاحقًا بأن تلك الأيام كانت المحطة الأكثر قسوة في حياته: “كنت في التاسعة عشرة من عمري. وأتساءل: إذا لم أستطع إثبات نفسي في ليستر أو نورويتش بـ (الدوري الدرجة الأولى)، فكيف لي أن أعود لألعب في توتنهام؟”.

من كسر عقدة البطولات إلى قمة الكرة الذهبية

عقب عودته لتوتنهام وتألقه حتى رحيله لبايرن ميونخ في أغسطس 2023 كأحد أعظم مهاجميه عبر التاريخ. ظل الانتقاد الوحيد الموجه لكين هو “غياب الألقاب الجماعية”.

غير أنه صحح هذه المعادلة سريعًا في أليانز أرينا؛ إذ توج مع البافاري بلقب الدوري الألماني “البوندسليغا” في مناسبتين. مما رفعه إلى مرتبة الصفوة عالميًا، ومنحه المنصة المستحقة ليصبح أول لاعب إنجليزي يرفع الكرة الذهبية منذ مايكل أوين عام 2001. والخامس فقط في تاريخ البلاد.

يقول لاعب الوسط الإنجليزي السابق داني مورفي: “إنه هداف بالفطرة ومحترف من طراز رفيع. طول مسيرته وانضباطه يجعله فخرًا لنفسه ولعائلته”.

ورغم تحقيقه المجد الفردي، تبقى النقطة البيضاء المتبقية في سجله هي رفع كأس مع منتخب بلاده بعد خسارة نهائيين في اليورو وهزيمتين في نصف نهائي المونديال.

ولا يستبعد أحد أن يكون كين حاضرًا ومتحفزًا لخوض محاولة أخيرة في يورو 2028 في المملكة المتحدة وأيرلندا.

المهاجم الشامل.. ورسالة الإلهام

يصل كين اليوم إلى الذروة الفنية والبشرية؛ فهو ليس مجرد حاسِم أمام المرمى. بل مهاجم متكامل يهبط إلى عمق الملعب ليصنع الأهداف بتمريرات ساحرة تمزق الدفاعات.

ويعلق النجم الأسطوري آلان شيرر على استحقاق كين للجائزة:

“لقد استحقها بجدارة لأنه اختار الطريق الشاق. تخطى عقبة الرفض والتشكيك، وأعطى درسًا للجميع بأن العمل الشاق هو السبيل الوحيد للقمة. في زمن تحول فيه لاعبو كرة القدم إلى نجوم سينما يرتدون النظارات الشمسية في الظلام، يطل هاري كين كإنسان طبيعي بسيط يفرض احترامه بالتواضع والاجتهاد”.

وبمجرد انقضاء مراسم التتويج والاحتفالات، سيعود النجم المتواضع إلى الميدان فورًا؛ حيث ينتظر بايرن ميونخ مواجهة ماغديبورغ في كأس ألمانيا، ثم المواجهة الكبرى أمام بوروسيا دورتموند.

لقد واجه هاري كين العواصف في بداياته، لكنه أثبت أن تركيزه وإصراره كفيلان بتجاوز أي عقبة تضعها كرة القدم في طريقه.

المصدر: bbc

الرابط المختصر :