في أغسطس الماضي، وبمجرد هبوط طائرته في إسطنبول قادماً من عطلته الصيفية في جزيرة “ميكونوس”. خرج المهاجم المصري محمد صلاح متوشحاً بالقميص الأساسي لنادي طرابزون سبور التركي بلونيه العنابي والأزرق. ليستقبله آلاف المشجعين في مشهد استثنائي.
محمد صلاح في طرابزون.. أكبر من مجرد لاعب
في ذلك اليوم، وبينما كان صلاح يتجه نحو شمال شرق تركيا لإتمام واحدة من أكثر صفقات الانتقال غير المتوقعة عقب إنهاء عقده مع ليفربول الإنجليزي. نصحه رئيس النادي” أرطغرل دوغان” بارتداء القميص الأسود الاحتياطي. والنتيجة؟
نفدت كميات الطقمين من المتاجر الرسمية فور طرحهما تقريباً.
منذ وصول النجم صاحب الـ34 عاماً إلى هذه المدينة الساحلية التاريخية المطلة على البحر الأسود، تحوّل شغف الجماهير به إلى حالة من الذهول والاعتزاز.
حيث تقول المشجعة نيسا دومانغوز: “سافرت إلى مطار إسطنبول لرؤيته.. كان الأمر كالحلم، وحتى الآن لا أصدق أنه بات واحداً منا”.
ظاهرة تسويقية وانتعاش اقتصادي
في شوارع طرابزون يوم المباراة، لا تخلوا زاوية من صورة صلاح؛ حتى جدران محلات بيع الأسماك أصبحت تزينها لقطاته.
وفي المتجر الرسمي للنادي، يمزح أحد الموظفين قائلاً إن الطابق الأرضي بات مخصصاً للجمهور المصري.

بينما يترك الطابق العلوي لبقية المبيعات. الأوشحة، المغناطيسات، سلاسل المفاتيح، وحتى أغطية الرأس الفرعونية “النمس” المطبوعة بألوان النادي. أصبحت المنتجات الأكثر طلباً، رافقها ارتفاع قياسي في مبيعات التذاكر الموسمية.
يقول الصحفي الرياضي التركي حسن تونجيل: “عندما تتجول في طرابزون، تشعر أن تسعة من كل عشرة مشجعين يرتدون قميصاً يحمل اسم صلاح. أما العاشر فيحمل قميصاً باسمه أيضاً”.
وخلال ثلاثة أشهر فقط من وصول صلاح، تجاوزت إيرادات النادي التسويقية ما تم تحقيقه طوال العام الماضي.
فيما شهد المطار المحلي حركة طيران غير مسبوقة؛ فبعد أن كان الوصول إلى “أنفيلد” وصعوبة الحصول على تذاكر ليفربول عائقاً أمام الجماهير العربية. أصبحت طرابزون وجهة سهلة عبر رحلات جوية مباشرة جرى تدشينها مؤخراً من القاهرة ودبي والرياض.
خلال إحدى الرحلات قادمة من إسطنبول، التقينا بعائلة مصرية مكونة من 10 أفراد قادمة لمؤازرة صلاح في مباراة طرابزون سبور ضد فرايبورغ في دوري المؤتمر الأوروبي.
عن هذا يقول محمود، أحد أفراد العائلة: “صلاح هو سفيرنا وملك مصر، ومع تدفق الراغبين في زيارة تركيا الآن، أصبح سفيرهم أيضاً”.
في حين تمتد هذه الظاهرة إلى شبكات التواصل الاجتماعي؛ فبينما يمتلك طرابزون سبور نحو ثلاثة ملايين متابع على إنستغرام.
بينما يتابِع صلاح أكثر من 68 مليون شخص، وتصل متابعات المؤثرين والمشاهير المصريين الحاضرين للمباريات إلى ملايين إضافية.
صخرة محمد صلاح
حتى الصخرة التي التقط صلاح عندها صورةً خلال رحلة استجمام في مرتفعات المدينة، تم تغيير اسمها رسمياً إلى “صلاحتاسي” (صخرة صلاح)، وتحولت إلى مقصد سياحي بارز.
التألق الرياضي وقيادة المنافسة
إذا كان الجانب التسويقي قد برر الصفقة مالياً، فإن الأهم كان على رقعة الميدان؛ إذ يقود صلاح طرابزون سبور في رحلة المنافسة على لقب الدوري التركي الممتاز. وبدأ الموسم بقوة مسجلاً 10 أهداف ومقدماً 5 تمريرات حاسمة في مختلف المسابقات.
يتخلف طرابزون سبور عن المتصدر غلطة سراي بفارق ثلاث نقاط فقط، بعدما حقق الفوز في 7 من مبارياته العشر الأولى. بما في ذلك انتصارات مهمة على المنافسين المباشرين وبشكتاش.
علاوة على ا،ه لتوضيح قيمة هذا الإنجاز، فإن أندية إسطنبول الكبرى (غلطة سراي، فنربخشة، وبشكتاش) تُوجت بالدوري 61 مرة مجتمعة، مقابل 7 ألقاب فقط لطرابزون سبور.
يقول كريم تونيالي، من رابطة مشجعي “غوربيتجي غينجلر”: “صلاح هو أكبر نجم كرة قدم يلعب في تركيا بعد ميسي ورونالدو”. وبفضل هذه المكانة، تحول طرابزون سبور سريعاً إلى النادي الثاني المفضل للعديد من المشجعين في تركيا والعالم الإسلامي.
بيئة مثالية وشغف يشبه “ليفربول”
على الرغم من بُعد طرابزون أكثر من 2000 ميل عن مدينة ليفربول. إلا أن الثقافة الكروية والاعتزاز بالإقليم يشكّلان نقطة تشابه كبيرة. فشعار المدينة المحترَم “كل مكان هو طرابزون بالنسبة لنا” يجسد روح التضامن داخل هذه المدينة البالغ عدد سكانها نحو 800 ألف نسمة.
راتب محمد صلاح
من الناحية المالية، يحصل صلاح على تقاضٍ سنوي يقدر بـ 14.6 مليون جنيه إسترليني، بالإضافة إلى 20% من عوائد المنتجات المبيعة باسمه.
لكن العامل الأساسي في اختياره لطرابزون كان الرغبة في التركيز التام على كرة القدم بعيداً عن صخب إسطنبول، وذلك بعدما كان نادي بشكتاش مطروحاً كخيار محتمل عقب كأس العالم 2026.
يقيم صلاح في بلدة “يومرا” المجاورة – التي أطلقت اسمه على أحد شوارعها – برفقة فريق حراسة خاص وطاهٍ شخصي، موازناً بين حياته الهادئة والتزامه الصارم في التدريبات وصالة الألعاب الرياضية.
ورغم عشقه للقهوة التركية ومشروب “العيران”، إلا أنه يتحرك بحذر ليدرك صعوبة التجول بحرية وسط التهافت الجماهيري.
تعليقاً على وجوده، قال زميله بول أونواتشو (لاعب ساوثهامبتون السابق): “الجميع يتمنى اللعب بجوار نجم بحجم صلاح.. إنه يضيف الكثير للفريق ويدعمنا جميعاً. اللعب معه نعمة كبيرة”.
ورغم أن سرعته قد تكون تراجعت قليلاً مقارنة بإنتاجيته الاستثنائية في سنوات ذروته. إلا أن لمسته الكروية وذكاءه التكتيكي وبراعته في التمركز والتسجيل لا تزال حاضرة وبقوة، حافزاً إياه لمواصلة عطائه مع النادي والمنتخب المصري. متطلعاً للمشاركة في كأس الأمم الأفريقية 2027 وكأس العالم 2030.
فصل جديد ورحلة لم تنتهِ
لم يتحدد بعد ما إذا كان صلاح سيمدد إقامته في تركيا عقب انتهاء عقده الممتد لعامين في 2028. وسط تكهنات في الأوساط الرياضية بإمكانية انتقاله مستقبلاً إلى الدوري السعودي عندما يبلغ الـ36.
لكن المؤكد أن أحداً لم يكن يتوقع – عندما أدلى صلاح بمقابلته الشهيرة في المنطقة المختلطة بإيلاند رود قبل نحو عام – أن تكون محطته التالية هي هذه المدينة الهادئة على حدود البحر الأسود.
يستذكر المحامي أنيل دينسر، أحد المشاركين في الصفقة: “أتذكر نظرتي إليه عند هبوطنا في طرابزون ورؤية التجمعات الهائلة بالخارج. كان شعوراً لا يُوصف”. بينما يضيف المشجع سرهات سومر بابتسامة: “لدينا صلاح وفابينيو الآن.. ونحن بانتظار فان دايك!”.
لم يأتِ صلاح إلى تركيا لقضاء فترة تقاعد كروي، بل لإثبات قدارته المستمرة على العطاء في أعلى المستويات.
وعندما سألته “بي بي سي سبورت” عن رسالته لجماهير ليفربول، اكتفى بابتسامة وكلمة “مرحباً”، ممتنعاً عن الإفاضة كعادته أمام وسائل الإعلام.
طُويت صفحة ليفربول، وبات تأثير اللاعب الذي أعاد تشكيل هوية الدوري الإنجليزي لسنوات محسوساً اليوم على شواطئ البحر الأسود؛ حيث تقود “عاصفة طرابزون” حقبة جديدة برفقته نحو منصات التتويج.
المصدر: BBC













